واحة الأرواح
مرحبا بكم في واحة الأرواح

واحة الأرواح

أحمد الهاشمي
 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخولeahmea@yahoo.com

شاطر | 
 

 التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
الشريف د.محمد علي النجار
كبار الشخصياتvip
كبار الشخصياتvip


عدد المساهمات : 56
نقاط : 88
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 17/09/2010
العمر : 65

مُساهمةموضوع: التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني   الجمعة 17 سبتمبر 2010 - 17:43

التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني
أبي الغارات الملك الصالح طلائع بن رزيك


د . محمد علي النجار

لعب الشعر العربي دورًا رئيسًا في تسجيل المعارك ، والتأريخ لها على مر العصور ؛ فقد أودع الشعراء قصائدهم أسماء الأمكنة التي دارت رحى الحروب فوقها ، والقادة الذين أداروها ، والأبطال الذين شاركوا فيها ، والنتيجة التي آلت إليها ، مع ذكر من قُتل ممن خاضوها من القواد ، وعامة العساكر والأجناد ، وأساليب القتال ، والأسلحة المستخدمة في هذه المعركة أو تلك ، مما وضع الشعر في مصاف الوثائق التاريخية ، ولا عجب في هذا ، فلم تكن وسائل الإعلام ؛ من صحافة مرئية ، أو مكتوبة ومقروءة قد عُرفت في ذلك العصر ـ كما هي في عصرنا الحاضر ـ مما جعل الشعر ، والنثر الفني بأنواعه ، يقوم مقامها ، إلا أن الشعر كان الوسيلة التي تفوقت على غيرها ، ليكون وعاء يحفظ التاريخ بما فيه من مواقف ومعارك وانتصارات ، أو هزائم وخسائر وانتكاسات ، بحيث يمكن أن يُنظر إليه كمصدر من مصادر التأريخ .
ويرى د. شوقي ضيف ، أن الشعر العربي يحوي من التفاصيل ، ومن وثائق الأحداث ما لا نجده مصورًا في كتب التاريخ ، ويعتقد بأنه ينبغي على المؤرخين ألا يكتفوا بما تضمه كتب التاريخ بين دفتيها من الأحداث والوقائع الحربية ، بل عليهم أن يضموا إلى ذلك ما ورد منها في دواوين الشعراء ، بعد محاكمة هذه النصوص .
لذا يمكننا القول : إن ما جاء في شعر الوزير المصري طلائع بن رزيك بخاصة ، لا يقل أهمية عن الوثائق التاريخية ، لأسباب منها : كونه وزيرًا وشاهدًا على العصر ، وصانعًا لكثير من الأحداث ، وقريبًا من صناع القرار في مصر والشام ، ومطلعًا على كثير من الأسرار التي كانت خافية عن كثير من المؤرخين المعاصرين للأحداث ، ومن جاؤوا بعدهم . كما أن شاعرنا لم يحصر شعره في تمجيد معاركه ، ومدح بطولات جنوده ، بل سخره لتسجيل مواقف لها أهميتها التاريخية ، وضمَّنه مراسلات واتفاقات وأسرارًا ، وذكر فيه مواقع وأماكن " فصار من المستطاع اتخاذ ( شعره) مفسرًا لأحداث التاريخ ، فقد اتخذ حقائقه ميدانًا صال فيه فسجلها ، وسجل شعور الناس بها " . فمما ورد في شعره من أماكن وأسماء قادة ، قوله في وصف إحدى معاركه :

سارتْ سرايانا لقصدِ الشامِ تعتسفُ الرِّمالا

تَمضي خفافـًا للمغارِ بها وتأتينا ثِقالا

وعلى الوعيرةِ معشرٌ لم يَعهدُوا فيها القِتالا

هذا وفي تلِّ العجولِ مَلأنَ بالقَتلَى التِّـلالا

إذ مَرَّ ( مُرّي ) ليسَ يلوي نحوَ رفقتِهِ اشتِغالا

واستاقَ عسكَرُنا لهُ أهلاً يُحبُهُمُ ومَالا

وسرية ( ابن فريج الطّائي ) طالَ بها وصَالا

سارت إلى أرضِ الخليلِ فلمْ تَدَع فيها خلالا

فقد سجل شاعرنا الأماكن التي مر بها جيشه ، والمواقع التي هاجمها ، وما أنجزه من انتصارات ، كما سجل أسماء بعض قادة الجيش ، كما حفظ لنا اسم أحد ملوك الصليبيين الذي فر من المعركة ، وها هو في قصيدة أخرى يسجل القبائل والجماعات التي تتكون منها جيوشه ، وما فعلته بالعدو ، فيقول :

وبرقيَّة شاموا السُّيوف فلم يَعشْ
لبارقِها في ساحةِ الشّامِ شائمُ

وسِنبس قَد شادوا المَعالي بفعلِهِمْ
وليسَ لهمْ إلا العَوالي دَعائمُ

وثعلبة أضحَوا بنا قَد تَأسَّدُوا
فَما لَهُمُ في المُشركينَ مُقاومُ

وإنَّ جذامًا لم يَزل قطّ منهمُ
قديمًا لحَبلِ الكفرِ بالشامِ جاذمُ

وكقوله من قصيدة أخرى :
وأبطال حربٍ من كتامةَ دوَّخوا بلادَ الأعادي بالمُسوَّمةِ القبِ
ويسجل طلائع في شعره ما وجدناه مثبتًا في بعض المصادر التاريخية ، كمرض نور الدين محمود ، وما دار بين العامة من إرجاف بموته ، ثم ما مَنَّ الله عليه بالشفاء ، فيقول طلائع في رسالة شعرية إلى صديقه الأمير أسامة بن منقذ :
واصَلَتهمْ منّا السرايا فأشجاهُم بكورٌ منّا لهمْ وطروقُ

وأباحَتْ ديارَهم ، فأبادَ القومَ قتلٌ ملازمٌ وحريقُ

وانتظَرنا بزحفِنا برءَ نور الدّين عِلمًا منّا بأنْ سَيَفيقُ
ويوجّه خطابه إلى نور الدين مرة أخرى ، مسجلاً لنا شفاءه من مرضه ، فيقول :

أعادكَ حيًا بعدَ أنْ زعمَ الورَى
بأنَّكَ قد لاقيتَ ما الله حاتِمُ

وخَيَّمَ جيشُ الكُفرِ في أرضِ شيزرٍ
فَسِيقَتْ سبايا واستُحِلَّتْ محارم مَحارمُ

وقد كانَ تاريخُ الشآمِ وهلكهِ
ومن يَحتويهِ أنَّهُ لكَ عادمُ

فقُمْ واشْكُر الله الكريمَ بنهضَةٍ
إليهِمْ فشُكْرُ الله للخَلقِ لازمُ
ويُضَمِّنُ طلائعُ قصائده بعض الوثائق السياسية ، التي ربما غابت عن المؤرخين ، أو لعلها كانت أسرارًا لم يتسنَّ لهم الاطلاع عليها ، فيذكر في شعره ما عرضه الفرنج عليه في سبيل المصالحة إلا أن طلائع رفض المهادنة ولم يجد ردًا عليهم سوى الرماح فيقول :
سُيوفٌ لها في كلِّ درعٍ وَجنةٌ
إذا ما اعتَلَتْ قدٌ أو اعترضَتْ قَطُ

ذَخَرنا سَطاها للفِرنجِ لأنَّها
بهم دونَ أهلِ الأرضِ أجْدَر أن تَسطو

وقد كاتَبُوا في الصّلحِ لكنْ جَوابُهم
بحضـَرتِنا ما يُنبتُ الخَطُّ لا الخَطُّ

وفي القصيدة ذاتها ، يحث الشاعرُ من مصر ، نورَ الدين في الشام ، على ألا يهادن الفرنج ؛ لأنهم لا أمان لهم ، ويذكّره بغدرهم ، ونقضهم للعهود ، فيقول :

فَدَع عنكَ مَيلاً للفرنجِ وهُدنَةً
لها أبدًا يُخطِي سواهُم ولم تَخطوا

تأمَّل فكمْ شَرطٍ شَرَطتَ عليهم
قديمًا وكم غَدرٍ به نُقِضَ الشَّرطُ
ويؤرخ طلائع بن رزيك لبعض الكوارث الطبيعية التي حلت ببلاد الشام ، وبخاصة تلك الزلازل التي ضربت أماكن عدة بما فيها شيزر ، حيث أرسل إلى الأمير أسامة بن منقذ قصيدة ، يعزيه فيها بمصابه في هذه الزلازل ، فقال :
إنْ تَجَلَّتْ عنهُ الحروبُ قَليلاً
خَلفتهَا زلازلٌ وخطوبُ

رَقَصَتْ أرضُهُ عشيةَ غَنَّى
الرَّعدُ في الجوِّ والكريمُ طروبُ

وتَثَنَّت حيطانُهُ فأمالَتـ
ـها شمالٌ بزمرها وجنُوبُ

إنَّ هذا لأن غَدَتْ ساحةُ القُد
ج سِ وما للإسلامِ فيها نَصيبُ
فطلائع يحلّل الأمورَ ، ويربط بين هذه الأحداث التي تدور على أرض الشام ، وبين ما آل إليه حال المسجد الأقصى في القدس الشريف من تدنيس واحتلال .
ويضم شعر طلائع التأريخي واقعة مهمة في التاريخ ، تتمثل في الخلاف الذي دب بين نور الدين زنكي ، وبين قلج أرسلان بن مسعود ، فقد أرسل على الفور رسالة شعرية إلى الأخير ، يحثه فيها على نبذ الخلاف مع نور الدين ، وقد دلت هذه القصيدة على غيرة طلائع ، وشفقته على الإسلام والمسلمين ، في وقت كان العباد والبلاد أحوج ما يكون للوحدة والتضامن ، ومنها قوله :

رَجعتُمْ إلى حُكمِ التَّنافسِ بينَكُم
وفيكُم من الشّحناءِ نارٌ تَضَرَّمُ

تَعالَوا لعلَ اللهَ ينصرُ دينَهُ
إذا ما نَصَرنا الدينَ نحنُ وأنتُمُ

لقد كان طلائع حريصًا على التضامن والوحدة ، ومثلَّ مشروعه الوحدوي إرهاصًا للوحدة التي تحققت بعد موته بسنوات ، بعد أن لعب دورًا محوريًا في الجهاد ضد الصليبيين ، فكان صادقًا في جهاده وفي دعوته لجمع الصفوف ، بعيدًا عن المذهبية والطائفية ، وقد قرن قوله بالعمل على الأرض ، دون كلل أو ملل ، كما يمكننا أن نسجل له ، أنه كان من أصحاب الفن الموجه ، أو الفن الملتزم ، إذ سخَّرَ شعرَه وشعر شعرائه في سبيل الجهاد ضد الصليبيين ، " ولم يترك مدة أيامه غزو الفرنج ، وتسيير الجيوش لقتالهم في البر والبحر ، وكان يُخرج البعوث في كل سنة مرارًا "، وقد حقق في مدة حكمه الكثير من الإنجازات التي تشهد بأنه لو امتد به العمر ، لسجل صفحات ناصعة في سجل الحروب الصليبية ، ولكان على يديه ثم تحرير العديد من المدن والثغور الإسلامية .
وإذا كان الملك المنصور محمد بن عمر الأيوبي قد قال: " إن طلائع أخذ نفسه بالجهاد والمسير إلى الشام ، ومواظبة السرايا ، ولقاء المشركين ، وطروق بلادهم ، وصيته يرتفع ، وذكره يشيع ويتسع ، وكل سرية يكون فيها أو وقعة يحضرها يكون قطب رحاها ، وكان الظفر مقرونًا بآرائه ، والنصر مقرونًا بلوائه ، حتى صار موسومًا عند أبطال الفرنج بالبسالة مخوف السطوة " ، فإنه من غير المقبول ـ والأمر كذلك ـ أن نجد بعض الباحثين والمتخصصين في هذا العصر ، ينقصون من دور طلائع الجهادي ، أو يتجاهلون هذا الدور فهذا الدكتور عمر فروخ يقول: " إن طلائع نفسه لم يكن يبذل كل جهوده في قتال الإفرنج الصليبيين ". وإذا كنتُ أجدُ للدكتور فروخ مبررًا في زعمه ، كونه يكتب تاريخًا أدبيًا عامًا ، ويعتمد في بعض كتاباته على المتخصصين في هذا العصر ، على أنهم ثقة في أحكامهم ، فإنني لا أرى مبررًا ، ولا أجدُ مسوغًا لأساتذة متخصصين في هذا العصر ، ففي الوقت الذي أخذ د. سعيد عبد الفتاح عاشور على الباحثين إهمال العناية بجهود الفاطميين في الحروب الصليبية ، وأرجع ذلك إلى كونه مظهرًا من مظاهر الإهمال العام الذي تعرض له تاريخهم في دوره الأخير ، نجده ـ هو نفسه ـ يغض الطرف عن جهود طلائع بن رزيك في جهاد الصليبيين ، خلال فترة وزارته ، بل لم يعرض لذكره ، وأعماله ، وحروبه وانتصاراته ، وإنفاقه على الجيش والأسطول ، ومحاولاته المستمرة لتحقيق الوحدة ، ومكاتباته الشعرية ، ورسائله النثرية ، ورسله إلى الشام ، وسعيه الحثيث لتوحيد جهود مصر والشام ، وإمداده نور الدين بالمال والسلاح ، في وقت أشاد فيه د. عاشور بالوزير رضوان بن ولخشي ، الذي كان متحمسًا لحركة الجهاد ضد الصليبيين ، مجرد حماس لم يُطبَّق على أرض الواقع .
كما عرج د. عاشور على مشروع الوزير ابن السلار لمقاتلة الصليبيين ، هذا المشروع الذي لم يرَ النور ، ولم يتحقق منه شيء.
وفي دراسة أخرى بعنوان: " صور من التعاون العسكري بين دمشق والقاهرة ضد الصليبيين في العصر الفاطمي " . يجدُ المرء نفسه يعجب أشد العجب من باحث في هذا العصر ، يتناول موضوعًا وحقبةً زمنيةً مهمةً من التاريخ الفاطمي ، وبالتحديد أواخر العصر الفاطمي ، ثم يتجاهل ، أو يجهل إنجازات طلائع الجهادية ، في وقت يحتقل فيه المؤلف بذكر الأفضل بن بدر الجمالي ، ثم المأمون بن البطائحي ، الوزيرين الفاطميين في عهد الخليفة الآمر ، ثم يُشيد بعد ذلك بطغتكين وأعماله الحربية ، وهو أتابك دمشق السلجوقي ، ثم يسجل دور الوزير ابن ولخشي، ويُلقي بعدها الضَّوءَ على محاولة ابن السلار لإحياء التعاون العسكري بين القاهرة وحلب ، وهو الوزير الذي لم يمكث في الحكم سوى ثلاث سنوات وأشهر قليلة ، وفجأة يتوقف التاريخ عند هذا الباحث ، ليلغيَ عشرَ سنواتٍ من تاريخ مصر المجيد ، متجاهلاً الفترةَ الممتدة من شهر محرم سنة 548 ـ وهو تاريخ مقتل ابن السلار ـ إلى سنة 558 هـ ، عندما توجه الوزير شاور إلى الشام ، مستنجـدًا بنور الدين محمود ، ومتناسيًا هذه السنوات التي كانت من أغنى الفترات جهادًا ضد الصليبيين ، وأوجعها ضربات ، وأشدها على الفرنج في البر والبحر ، بقيادة وتوجيهات الوزير الفاطمي أبي الغارات الملك الصالح طلائع بن رزيك ، الذي سعى سعيًا حثيثًا ، وألح إلحاحًا شديدًا في محاولة لتوحيد الصفوف ، وجمع شمل المسلمين في مصر والشام ، وقد أرَّخ هذه العلاقة في كثير من قصائده الموجهة إلى أسامة ، والتي طالبٍه فيها بإقناع نور الدين بأهمية التنسيق والوحدة ، وضرورة الجهاد المشترك لتحرير المغتصب من الأرض ، يقول طلائع مخاطبًا أسامة :

وَأَلقِ عَنّا رسالةً عِندَ نورِ الدِّينِ
ما في إلقائها ما يُريبُ

قُلْ لهُ : دامَ ملكهُ وعليهِ
من لِباسِ الإقبالِ بردٌ قشيبُ

قَصْدُنا أنْ يكونَ منّا ومِنْكُمْ
أَجَلٌ في مَسيرِنا مَضرُوبُ
وقال في قصيدةٍ ثانية موجهة إلى أسامة :
فَقُولوا لنورِ الدِّينِ ليسَ لجائفِ الـ
جراحاتِ إلا الكَيّ في الطبِّ والبَطُّ
ويمضي طلائعُ في قصيدة ثالثة قائلاً له :
وانْتَظَرْنا بِزَحفِنا برءَ نورِ الدِّ
ينِ عِلْمًا مِنّا بِأَنْ سَيَفيقُ

قُلْ لهُ : لا عَداهُ رَأيٌ ولا زالَ لَديهِ لكلِّ خَيرٍ طَريقُ

فَاغْتـَنِم بالجِهــادِ أَجـرَكَ كي تَلـقَى رَفيقًا لهُ ونعمَ الرَّفيقُ
وفي رسالة شعرية رابعة يقول طلائع :
فَلَو أنّ نورَ الدِّين يجعلُ فعلَنَا فيهم مِثالا

وَيُسَيّرُ الأجنادَ جَهْرًا كي يُنازلَهم نِزالا

ويَفِي لَنا ولأهلِ دَولَتهِ بِما قَد كان قالا

لرأيتَ للأفرنجِ طُرًا في مَعاقِلِها اعتِقالا
ويواصل الملك الصالح طلائع بن رزيك رسائله الشعرية إلى أسامة ويكلفه فيـها بالإلحاح على نور الدين فيقول في قصيدة خامسة:
أبلِغُوا قولَنا إلى المَلكِ العا
دلِ فهوَ المَرجو والمَأمولُ

قُلْ لهُ : كمْ تُماطِلُ الدّينِ في الكُفّارِ فاحذَر أنْ يَغضَبَ المَمطولُ

سِرْ إلى القُدسِ واحتَسِبْ ذاكَ في اللهِ فبالسيرِ مِنكَ يشفَى الغَليلُ
وفي قصيدةٍ سادسةٍ يقول لأسامة بن منقذ :
فَقولوا لنورِ الدّينِ : لا فُلَّ حَدُّهُ
ولا حَكَمَتْ فيهِ الليالي الغَواشِمُ

تَجَهزْ إلى أرضِ العدوِّ ولا تَهُنْ
وتُظهِرْ فتورًا إنْ مَضَتْ مِنكَ حارمُ

فنَحنُ على ما عَهِدتَ نَروعُهمْ
ونَحلِفُ جَهدًا أنَّنا لا نُسالمُ
وها هوَ يُواصِلُ إلحاحه على أسامة في قصيدةٍ سابعةٍ فيقول :
فَانهَضْ فَقضد أُنبيتَ مجدَ الدّينِ بالحالِ الجَلِيّهْ

أَلْمِمْ بِنورِ الدّينِ واعْلِمْهُ بهاتيكِ القَضِيّهْ

فهوَ الذي مازالَ يُخلصُ مِنهُ أفعالٌ وَنِيّهْ
إنَّ هذه الرسائل الشعرية بما تحمله من طلب وتودد ، ورجاء وتوسل ، وحجة ومنطق وسؤال وإلحاح ، وضعف وقوة ، لتدل دلالة لا ريب فيها ، على أن طلائع كان الأحرصَ على تنسيق الجهود ، والاتفاق على تحديد اليوم الموعود ، للانقضاض على الصليبيين وتخليص البلاد والعباد منهم. إلا أن نور الدين لم يُبْدِ التجاوبَ المطلوب ، ولم يكن على المستوى الذي بدا فيه طلائع ، وهذا الفتور عند نور الدين تجاه دعوات طلائع ، لا يرقى إلى درجة التهمة والشك في إخلاص نور الدين ، الذي عُرِفَ بأنه " كان مجاهدًا في الفرنج ، آمرًا بالمعروف ، ناهيًا عن المنكر ، محبًا للعلماء والفقراء والصالحين ، مبغضًا للظلم ، صحيح الاعتقاد ، مؤثرًا لأفعال الخير .. مدمنًا لقيام الليل ، يصوم كثيرًا " ، حتى وجدنا ابن الأثير يقول : " وقد طالعتُ سيرَ الملوك المتقدمين ، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته ، ولا أكثر تحريًا منه للعدل " ، فنور الدين أجلّ من أن يتهم في إخلاصه للإسلام والمسلمين .
ومن الأحداث التي أرخها طلائع في شعره ، ما قام به عباس وولده من قتل الخليفة الظافر وأخويه ، ثم فرارهما وما حل بهما على يد الإفرنج ، حيث يخاطب صديقه أسامة بقوله :

ولو أنَّنا كنَّا ظنناهُ لم نَكُن
نُظاهرُ دونَ الناسِ عباسَ بالحربِ

على أنَّه قد نالَ بالغدرِ من بَني
نَبيّ الهدَى ما لم تَنَلهُ بنو حَربِ
وحول الموضوع ذاته ، يقول في قصيدة أخرى :
ردعتُ عباسًا اللعينَ ولو
قد كانَ غَيري ما كانَ يَرتدعُ

بَغَى على من أباحَهُ حسنًا
لكلِّ باغٍ ببغيِهِ صرعُ
وإذا كانت المصادر التاريخية قد اختلفت في مصير عباس ، فجاء في بعضها أن عباسًا قُتل ، وزعم بعضها الآخر أنه أُسر ، فإن طلائع حسم الأمر في هذا الخلاف ، وأشار صراحة إلى أسر ابنه نصر ، وذكر الأموال التي استولى عليها الفرنج ، الذين هالهم كثرة هذه الأموال التي لم يروا مثلها من قبل ، يقول طلائع في رسالته الشعرية إلى أسامة :
وجوابُنا هذا عُقَيْب هلاكِ من
وردَ المنيَّةَ راغم العرنينِ

أمسَتْ أكاذيبُ المُنَى تقتادُهُ
حتى رمتهُ إلى الحضيضِ الهونِ

إذ ظنَّ أنّا مثل من عن مُلكهِ
قد راحَ عنه بصفقةِ المَغبونِ

خلَّى حلائلَهُ وقال لنفسهِ :
منجاكِ من صرفِ الرَّدَى يكفيني

لم يلبثُوا حتى بَدَا متخبطًا
بدمائهِ كتخبطِ المجنونِ

أُسِرَ ابنُهُ و توزَّعَتْ أموالُهُ
حتّى لقد بَلغَت بلادَ الصينِ
وهكذا سجل الشاعر الوزير الملك الصالح أبو الغارات طلائع بن رزيك الفاطمي المصري الأرمني من خلال هذه النماذج ، ونماذج أخرى في أشعاره التي حفل بها ديوانه المجموع ، عددًا من معاركه ، وانتصارات جيوشه في البر ، وأساطيله في البحر واستودع شعره أحداثًا تاريخية ؛ سياسية واحتماعية وعسكرية ، وأسماء الأشخاص ، والمدن ، والقرى ، والمواقع مما لا نجده في المصادر التاريخية ، أما ما ورد في هذه المصادر من أخبار وروايات ، فإن وجودها في ثنايا قصائد طلائع الشعرية ، يعطي هذه الأخبار والروايات والوقائع جانبًا مهمًا من التوثيق ، ويؤكد صحتها ، ويضيف إلى الشعر مزيدًا من المصداقية التاريخية .
وفي ليلة الثلاثاء العشرين من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمسمئة للهجرة ، مات الملك الصالح بن رزيك ، وبرحيله خسرت مصر وزيرًا قويًا ، مدبرًا ، جوادًا محسنًا ، شجاعًا ، أديبًا ، شاعرًا ، كريمًا ، مجاهدًا ، جمع الكثير من الصفات والخصال الكريمة ، التي لم تتوافر لغيره من الوزراء ، " فحزن الناس عليه ، وبكوا لحسن سيرته ، وأقيمت المآتم بين القصرين والشوارع ومصر "، ونتيجة فقدان هذا الوزير " هاجت القاهرة وماجت ، وذل الجريء ، وخاف البريء " ، وبموته " انكسفت شمس الفضائل الزاهرة ، ورخص سعر الشعر ، وانخفض علم العلم ، وضاق فضاء الفضل ، واتسع جاه الجهل ، وانحل نظام أهل النظم ، وانتثر عقد ذوي النثر ، واستشعر الفاقة الشعراء ، وعدم البلغة البلغاء ، وعد الفضل فضولا ، والعقل عقولا … وعاد السر شورى ، والعيد عاشورا ، والسخف منشورا ، والعسف مأثورا ، والقريض مقروضا ، ويد الرفض مقبوضة ، وعين الحمد مغضوضة ، وعم رزء ابن رزيك ، وملك صرف الدهر ذلك المليك ، فلم تزل مصر بعده منحوسة الحظ ، منسوخة الجد ، منكوسة الراية ، معكوسة الآية ..".
يقول ابن خلكان : " ولما جُرِح وأشرف على الوفاة ، كان يعد لنفسه ثلاث غلطات : ... ثالثتها : خروجه إلى بلبيس بالعساكر ، ورجوعه بعد أن أنفق فيهم أكثر من مئتي ألف دينار ، حيث لم يُتِم إلى بلاد الشام ، ويفتح بيت المقدس ويستأصل شأفة الفرنج " .
ويبدو أن أبا الغارات الملك الصالح طلائع بن رزيك ، ظل حتى آخر لحظات من حياته ، يفكر في القدس الشريف ، ويلح عليه هاجس تحريره ، واستخلاصه من المحتلين ، واستئصال شأفة الصليبيين ، وهذا شعور طيب ، وإحساس بالمسؤولية ، وموقف يحفظ لهذا الرجل الذي غُمِطَ حقُّه ، ولم يُعطَ ما يستحقهُ من تقدير ، وأُسْـقِطتْ ظلمًا صفحاتٌ من أعماله وجهاده من سجل التاريخ . وبموته طُويت صفحةٌ مشرقةٌ من أنصع صفحات التاريخ في مصر الفاطمية .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
أحمد الهاشمي
مدير عام
مدير عام
avatar

عدد المساهمات : 10896
نقاط : 13569
السٌّمعَة : 7
تاريخ التسجيل : 03/04/2010

مُساهمةموضوع: رد: التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني   الجمعة 17 سبتمبر 2010 - 21:45

الله الله الله

ابن العم النسيب

دكتور محمد علي النجار

مرحبا بك ملايين لايكفون

بحث شيق وهام جدا

سلمت سلم قلمك

رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت

لك ودي وتحياتي

_________________
جسمي معي غير أن الروح عندكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
سارة عمر
كبار الشخصياتvip
كبار الشخصياتvip
avatar

عدد المساهمات : 3690
نقاط : 4949
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 03/04/2010
العمر : 34

مُساهمةموضوع: رد: التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني   السبت 18 سبتمبر 2010 - 6:24

بحث أكاديمي رائع

لكن أستاذي الفاضل

هلا اوضحت للمتلقي التمايز الموجود بين مفردتي: التاريخ و التأريخ؟

بارك الله بك

ننتظر المزيد

لك تحياتي

و تقديري
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
قمرالواحة
كبار الشخصياتvip
كبار الشخصياتvip
avatar

عدد المساهمات : 9221
نقاط : 12107
السٌّمعَة : 4
تاريخ التسجيل : 14/04/2010
العمر : 46

مُساهمةموضوع: رد: التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني   السبت 18 سبتمبر 2010 - 20:07

الشريف د . محمد علي النجار

لك كل الشكر لما قدمت لنا

سلمت وبوركت

ننتظر جديدك بشغف

لك خالص احترامي

وارق تحياتى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جهاد أحمد الهاشمي
إدارة
إدارة
avatar

عدد المساهمات : 636
نقاط : 679
السٌّمعَة : 2
تاريخ التسجيل : 27/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني   الأحد 19 سبتمبر 2010 - 22:20

العم القدير دكتور محمد علي النجار اثابكم الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الشريف د.محمد علي النجار
كبار الشخصياتvip
كبار الشخصياتvip


عدد المساهمات : 56
نقاط : 88
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 17/09/2010
العمر : 65

مُساهمةموضوع: رد: التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني   الخميس 7 أكتوبر 2010 - 10:21

أكرر شكري الجزيل لمروركم .. وعباراتكم الجميلة .. وأكرر اعتذاري للتأخر في الرد .. لكم مني جميعًا التحية والتقدير ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التأريخ في شعر الوزير الفاطمي المصري الأرمني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
واحة الأرواح  :: أقسام الكتاب و الأدباء و الشعراء :: واحة((الشريف// دكتور محمد علي النجار))-
انتقل الى: